رحلة تاريخية في الأصالة.. صابون الغار الحلبي من عمق التاريخ

Premium Coffee Market
صابون الغار الحلبي - صابون غار حكاية

في زحمة العصر الحديث وتطوّر الصناعات التجميلية، ما زالت أصوات الماضي تنادينا من بعيد، حاملة معها عبقًا فريدًا يروي لنا حكاية جميلة بنفحات من حضارات عريقة. إنها قصة صابون الغار الحلبي، تحفة صنعتها أيادي الحرفيين الحلبيين عبر القرون، لتكون رمزًا للنقاءِ والجمال، وشاهدًا على عراقةِ مدينة حلب مهد الحضارات وموطن الإبداع.

حلب.. المدينة التي تتنفّس عبق التاريخ

قبل أن نغوص في تفاصيل صناعة صابون الغار لابدّ لنا من التوقف قليلًا عند مدينة حلب، تلك المدينة التي شهدت صعود وسقوط الإمبراطوريات، وتأثرت بحضارات مختلفة، وتركتْ بصمتها الفريدة في كلّ ما أنتجته. فمن أسواقها القديمة إلى بيوتها العربية الأصيلة إلى حرفييها المهرة، تبعث حلب في النفس شعورًا بالانتماء إلى تاريخ طويل وحافل.

كانت حلب على مرّ العصور مركزًا تجاريًا هامًا وملتقىً للثقافات، مما ساهم في ازدهار صناعاتها التقليدية، وأهمها صناعة صابون الغار الحلبي، التي تعود جذورها إلى آلاف السنين. ففي أزقةِ حلب القديمة تتناثرُ ورشاتٌ صغيرة، يتوارث فيها الحرفيون أسرار هذه الصناعة جيلاً بعد جيل، محافظين على أصالتها وجودتها. والأهم مكوناتها الطبيعية التي لا تدخلها المواد المصنعة أو الكيميائية مهما تطورت واختلفت أشكال التصنيع وآلياته.

صابون الغار الحلبي.. تركيبة بسيطة بفوائد جمّة

لا تعتمد صناعة صابون الغار الحلبي على مواد كيميائية معقدة، بل تستمدّ قوتها من بساطة مكوناتها الطبيعية. فالأساس في تركيبته هو زيت الزيتون، الذي يمتاز بخصائصه المرطبة والملينة للبشرة، إضافة إلى زيت الغار الذي يمنحه رائحته العطرية المميزة وفوائده العلاجية. وتضاف إليها الصودا الكاوية لتساعد على تماسك الصابون.

إنّ بساطة المكونات هي سرّ قوة صابون الغار الحلبي فهو خالٍ من المواد الحافظة والألوان الصناعية والعطور الكيميائية، مما يجعله خيارًا مثاليًا للأشخاص ذوي البشرة الحساسة والأطفال، وحتى الرضع. كما أنّ زيت الزيتون يغذي البشرة ويرطبها، بينما زيت الغار يطهّرها ويعالج بعض الأمراض الجلدية مثل الأكزيما والصدفية.

رحلة الصناعة.. من الحقول إلى قوالب الصابون

تبدأ رحلة صناعة صابون الغار الحلبي مع حصاد ثمار الزيتون والغار. ففي فصل الخريف يقطف الفلاحون ثمار الزيتون الناضجة، ويعصرونها لاستخراج زيت الزيتون النقي. أما ثمار الغار فتجمع في فصل الشتاء، وتغلى لاستخلاص زيتها العطري.

بعد ذلك تبدأ عملية التصنيع في الورشات التقليدية، حيث يخلط زيت الزيتون ( زيت المطراف وهو الزيت المستخرج من العصرة الثانية للزيتون) مع زيت الغار والصودا الكاوية في قدور كبيرة، ويتم تسخين الخليط على نار هادئة مع التحريك المستمر لعدة أيام. هذه العملية تتطلب خبرة ومهارة كبيرتين، فالتحكم في درجة الحرارة والمقادير أمر بالغ الأهمية لضمان جودة المنتج النهائي.

بعد الانتهاء من عملية الطهي يسكب الصابون السائل في أحواض كبيرة، ويترك ليبرد ويتصلب لمدة يوم كامل. ثم يقطع إلى قطع متساوية وتختم بختم خاص بالمصنع الذي يصنعها فيميزها عن غيرها. وأخيرًا ترص قطع الصابون في أبراج عالية، وتترك لتجف وتتصلب لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة كاملة.، وبالتالي فقطعة الصابون التي تصنع اليوم يتم طرحها للبيع بعد سنة.

أسرار الحرفة.. مهارة تتوارثها الأجيال

لا يمكن الحديث عن صابون الغار الحلبي دون الإشارة إلى الحرفيين الذين يقفون وراء صناعته. فهم ليسوا مجرد عمال، بل هم فنانون يحترفون هذه المهنة منذ أجيال، ويتوارثون أسرارها ومهاراتها.، حتى باتت عوائل معينة في حلب مشهورة بمهنة صناعة صابون الغار ولها اسمها وسمعتها.

إنّ الحرفي الحلبي يولي اهتمامًا كبيرًا بالتفاصيل، بدءًا من اختيار أجود أنواع زيت الزيتون والغار، وصولًا إلى التحكم في عملية الطهي والتجفيف. فهو يعرف تمامًا كيف يمزج المكونات بنسب صحيحة، وكيف يتحكم في درجة الحرارة، وكيف يقطع الصابون بعناية فائقة.

إنّ شغف الحرفي وإخلاصه لعمله ينعكسان على جودة المنتج النهائي، فكل قطعة من صابون الغار الحلبي تحمل بصمة الحرفي الذي صنعها، وتعكس خبرته ومهارته.

صابون الغار.. رمز للهوية والانتماءن

إنّ صابون الغار الحلبي ليس مجرد منتج تجاري، بل هو رمز للهوية والانتماء. فهو جزء من تاريخ حلب وتراثها، ويعكس أصالة هذه المدينة وعراقتها، وإذا ما سألك أي مسافر إلى حلب: “ماذا أحضر لك معي من حلب؟” أجبته بكل بديهية: “صابون غار”.

لقد ارتبط صابون الغار بحياة الحلبيين منذ القدم، فهو يستخدم في الحمامات التقليدية، وفي المنازل، وحتى في بعض الطقوس الدينية. كما أنه يعتبر هدية قيمة وفاخرة يعبر بها الحلبيون عن محبتهم وتقديرهم للآخرين.

تحديات تواجه الصناعة.. وأمل في مستقبل أفضل

على الرغم من عراقة صناعة صابون الغار الحلبي إلا أنها تواجه العديد من التحديات في العصر الحديث. فالمنافسة الشديدة من قبل المنتجات الصناعية الرخيصة، والصعوبات الاقتصادية التي تمر بها المنطقة، أثرت سلبًا على هذه الصناعة التقليدي، ودفعت بالكثير من أصحاب الخبرة إلى نقل ورشاتهم ومعاملهم إلى دول مجاورة وخاصة تركيا لمتابعة عمليات التصنيع والتصدير.

في الختام إنّ صابون الغار الحلبي هو تحفة فنية، تعكس تاريخًا طويلاً من الإبداع والابتكار. إنه رمز للنقاء والجمال، وشاهد على عراقة مدينة حلب. والحفاظ على هذا التراث وتطويره وتوسيع رقعة نشاطه هو من الحفاظ على هوية حلب ومكانتها وأحد أهم رموز أصالتها الذي بات اليوم من أهم المنتجات المطلوبة والمرغوبة عالميًّا في العناية بالبشرة والشعر.

******

تابع مدونة حكاية

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

go top
×

حكاية ... اقرب اليك

× مرحبا ... اخبرنا كيف يمكننا مساعدتك !